علي بن أحمد المهائمي

101

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

لكنه أشار إليه بقوله : ( فالكل ) أي : كل واحد من الخلق والحق في الوجود والظهور ( مفتقر ) إلى الآخر . ولما كان نسبة الافتقار إلى الحق شنيعا عند العامة أكده بقوله : ( ما الكل مستغن ) ضرورة أنّ الربوبية تفتقر إلى المربوب والخالق إلى الخلق والرازق إلى المرزوق لكن هذا الافتقار بحسب الظهور عند إرادته مع الاستغناء عنه فهو كالضرورة لشرط المحمول في قولنا : زيد قائم بالضرورة ما دام قائما ، وقد دخل في هذا افتقار الموجودات العينية إلى الحقائق الكلية وافتقارها إلى الموجودات . ثم قال : ( هذا هو الحق قد قلناه لا نكني ) ، أي : ليس نسبة الافتقار إلى الحق بطريق المجاز بناء على أن الافتقار بحسب الظهور ، ليس بافتقار حقيقي للاستغناء عن ذلك الظهور ، فنسبته إليه بطريق المجاز ، فقال : هذا ليس بطريق المجاز ؛ لأن كماله يقتضي تكميل يستحق التكميل فهو افتقار حقيقي في مقتضى الكمال الوجودي ، وإن لم يتوقف عليه شيء من كمالاته الذاتية والأسمائية من حيث تعلق الأسماء بالذات . ثم قال : ( فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به ) وهو الذات الإلهية والأسماء من حيث نسبتها إلى الذات واستدللت عليه بقوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] ، وإجماع الملك على أنه الغنى المطلق ؛ فلا يرد علينا ، ( فقد علمت الذي بقولنا نعني ) هو افتقار الحق في ظهور ذاته وصفاته في المظاهر لا في وجودها وكمالاتها في أنفسها . ثم صرّح بالمقصود من اعتبار هذا الافتقار ، فقال : ( فالكلّ بالكلّ مرتبط ) « 1 » ارتباطا موجبا لقرب كل واحد من الآخر ، ( فليس له ) أي : لكل واحد ( عنه ) أي : عن الآخر ( انفصال ) أي : استغناء وعدم ارتباط ، ( خذوا ما قلته عني ) إن لم يكن لكم استقلال ذوق بذلك ، فلا بأس لمن لا يتم له الذوق في أمران يقلد من علم كماله منه إلى أن يكمل له الذوق فيه فقلدوني ، ولا تقلدوا من خالفني بمنع القول بالافتقار من جانب الحق مطلقا حتى في الظهور في المظاهر مع أنه لا ضرر فيه ، وإنّ الافتقار الممتنع في حقّه تعالى هو ما ينافي الوجوب الذاتي ، وهو الافتقار في الوجود والكمالات الذاتية . وأمّا الكمالات الظهورية ؛ فلا ينافي في الافتقار فيها ذلك ، وإذا علمت أن الخليفة لا بدّ وإن يكون جامعا بين صورتي الحق والخلق مع لزوم الاجتماع المطلق في إحداهما وشوب التفرقة في الأخرى ليناسب بذلك الحق والخلق ؛ ( فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم أعني : صورته الظاهرة ) ، وهي الجسم وأعراضها المحسوسة ، ولإدخالها قيد الجسد بالصورة الظاهرة لئلا يتوهم أنّ المراد نفس الجسم لا غير ، وتلك الحكمة استعداده لإفاضة

--> ( 1 ) في نسخة : « مربوط » .